قياس نجاح المدن

قياس نجاح المدن

يعيش أكثر من نصف سكان العالم في يومنا هذا في المدن. وتولد المدن الناجحة الثروة، وتحسن مستويات المعيشة، وتوفر الكثافة والتفاعل والشبكات التي تجعل البشر أكثر إبداعًا وإنتاجية. ويتمثل أهم دور للمدينة في توفير نوعية حياة جيدة لسكانها من خلال تصميم الأماكن وتعزيز السعادة والرفاهية. ومع استمرار نمو المدن وتزايد تعقيدها، يصبح من الصعب على المدينة أن تنجح وأن تتجنب الفشل. فما الذي يجعل المدينة ناجحة؟ لقد طورنا في هذه المقالة بعض المؤشرات التي نعتقد أنها تؤدي دورًا رئيسًا في تحديد ما إذا كانت المدينة ناجحة أم لا.

إنّ وتيرة التغيير داخل المدن وفي ما بينها تتزايد، فتتزايد معها الحاجة إلى قياس أدائها وتحديد ما إذا كانت ناجحة أم لا. ويجب أن تكون مؤشرات المدن، مثل الاقتصاد، ونوعية الحياة، والبيئة، والمؤشرات الاجتماعية، قادرة على مراعاة جوانب الحياة المتعددة في المدينة من خلال قياس مقدار ومدى نجاح المدينة نظرًا إلى الموارد التي تمتلكها، وكذلك من خلال تحديد قدرتها على توليد موارد جديدة. وفي ما يلي نقدم بعض المؤشرات المهمة التي تشكل استراتيجية شاملة نحو بناء مدينة ناجحة.

النمو السكاني: تزداد احتمالية ازدهار المدينة عندما توفر وظائف، ومدارس، وطرقًا جيدة، وإسكانًا بأسعار معقولة وغيرها من العناصر الأخرى، فينتقل المزيد من الناس للعيش فيها. إذ يعتبر فقدان السكان مؤشرًا رئيسًا يدل على أنّه هناك خطب ما في المدينة. وقد يشمل ذلك زيادة معدلات الفقر والبطالة والمباني الشاغرة والمهجورة والجرائم العنيفة.

نمو العمالة: يشكل معدل العمالة مقياسًا يدل على صحة المدينة. وترتبط معدلات العمالة المرتفعة بزيادة الإنتاجية والقدرة التنافسية في المدن، وبمعدلات أعلى من السعادة. كما ويعتبر نمو العمالة مؤشرًا يدلّ على التطور الاقتصادي في المدينة وعلى نجاحها، فيولد مشاعر متزايدة من التواصل الاجتماعي والرفاهية، ويجذب المواهب إلى المدينة.

معدل الابتكار: يشمل الابتكار عمليتي إنشاء واستخدام المنتجات والخدمات والعمليات الجديدة. وهو يقود التنمية الاقتصادية والعمالة ونمو الدخل ويعزز القدرة التنافسية. ويبين الابتكار فعالية المدينة في تحويل البحث إلى خدمات يمكن أن تضيف قيمة للمستخدمين النهائيين. ويمكن للابتكار أيضًا تمكين المخترعين من تحقيق الربح المالي ومساعدة الشركات والباحثين والأكاديميين على التقدم في مجال عملهم، مما يساهم في نجاح المدينة. ويكشف هذا المؤشر عن بيئة حضرية مستدامة.

النقل العام والسلامة على الطرق: يشكل الازدحام المروري مشكلة رئيسة في العديد من المدن. ولذلك تعتبر وسائل النقل العام إحدى أكثر الطرق فعالية لنقل الناس في جميع أنحاء المدينة. ومن شأن تزويد الراكبين بمعلومات حالية ومحدثة بانتظام حول حالة نظام النقل العام، بالإضافة إلى أوقات السفر، أن يشجع استخدام النقل العام. ومن ناحية أخرى، يشكّل توفير الوصول إلى أنظمة النقل الآمنة والميسورة التكلفة والمستدامة وتحسين السلامة على الطرق، مع إيلاء اهتمام خاص لاحتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، عوامل تساهم في نجاح المدن. وكلما ارتفعت مرونة وسائل النقل العام والطرق في المدينة، كلما انخفضت شدة الاضطراب في حياة المواطنين والشركات والاقتصاد وحجمه ومدته.

المياه والصرف الصحي: تعتبر القدرة على الوصول إلى مياه الشرب حاجة أساسية وحقًا حيويًا من حقوق الإنسان. وينتج عن تحسين إمدادات المياه للأسر والأفراد الكثير من الفوائد الصحية والاقتصادية. إذ تصبح المياه موردًا نادرًا بشكل أكبر وتقع العديد من المدن في مناطق فيها نقص في المياه. ويشكّل الحفاظ على المياه وتوفير أنظمة الصرف الصحي عنصرًا أساسيّا لتحقيق الاستدامة ونجاح المدن. ويسمح تركيب عدادات المياه الذكية بإجراء رصد أفضل لاستهلاك المياه ويساعد في الحفاظ عليها لبناء مدينة أكثر استدامة ونجاحًا.
جودة الهواء: تأتي مع المدن الناجحة كثافة سكانية عالية، ومع الكثافة العالية يأتي التركيز العالي للصناعات التي تمارس ضغوطًا كبيرة على البيئة المحلية وتسبب تلوثًا في الهواء. ونتيجة لذلك، يظهر تلوث الهواء ومعظم المشاكل الصحية الناتجة عنه في المناطق الحضرية والمدن. وبالتالي، فإنّ تحسين جودة الهواء يعتبر جانبًا مهمًا في تعزيز المدن المستدامة والصالحة للعيش والناجحة. وتتمثل إحدى طرق الحفاظ على جودة الهواء في المدن في وضع قيود على حركة المرور وتعزيز مصادر الطاقة المتجددة والمباني التي تتسم بكفاءة استخدام الطاقة.

المساحات العامة: تعتبر المساحات الخضراء مهمة لنجاح المدينة، حيث أن لها العديد من الفوائد، بما في ذلك التقاط الملوثات، والحد من تأثير الحرارة المرتفعة وتوفير المساحات الترفيهية. ويمكن أن تشمل المساحات الخضراء، على سبيل المثال، المتنزهات والحدائق والأماكن الترفيهية والأماكن الطبيعية. وتهدر العديد من المدن حول العالم فرصًا كبيرة للتنمية من خلال تجاهل أو سوء إدارة الأماكن العامة، إذ يمكن أن يساعد بناء الأماكن العامة الناجحة في تعزيز الاندماج الاجتماعي واستدامة المدينة وصحة سكانها وارتباطهم بها.

الموارد الطبيعية: يمكن أن تؤدي إدارة الموارد الطبيعية بحكمة، مثل الهواء والماء وطاقة الرياح، إلى جعل التنمية الحضرية مستدامة وإلى تأثير إيجابي دائم على سبل عيش السكان، مما يساهم في نجاح المدن وقابلية العيش فيها. فتعتبر إمدادات المياه والطاقة، على سبيل المثال، مكونات أساسية لتوفير الخدمات الاجتماعية الأساسية. وإن خدمات الطاقة الكافية والموثوقة ضرورية لتعزيز التنمية المستدامة والاقتصادية والبشرية، حيث أن عدم الحصول على هذه الموارد الطبيعية يساهم في ازدياد الفقر والحرمان ويحد من التنمية الاقتصادية.

المرافق العامة: تؤدي المرافق العامة دورًا رئيسًا في توفير وصيانة البنية التحتية للخدمات العامة الأساسية. وتشمل هذه الخدمات: جمع المياه العادمة وتحلية المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات ونظام التصريف والإنترنت وإلخ. وتعتبر المرافق العامة أساسية للمدن الناجحة، حيث تساهم في الصحة العامة وتعزز سبل المعيشة والنمو السكاني. فعلى سبيل المثال، تحدّ عملية معالجة المياه من خطر الأمراض المنقولة بالماء وتشير إلى مستوى التنمية المحلية وصحة المجتمع. ويمكن أن تساهم أنظمة النفايات الصلبة أيضًا في الصحة العامة والاقتصاد المحلي والبيئة.

وتعتبر المدن المراكز الثقافية والاقتصادية للبلدان، ويعتمد تقدمها في الكثير من الأحيان على الإدارة الفعالة. ومع استمرار نمو المدن وتزايد تعقيدها، برزت مجموعة مؤشرات المدن كمتطلب رئيسي للإدارة الفعالة للمدينة. وصحيح أنّ العديد من الوكالات الحكومية والدولية تستخدم عادة مؤشرات النجاح لقياس أداء المدينة، غير أنّه لم يتم توحيد هذه المؤشرات بعد ومواءمتها عبر المدن.

Share post:

Leave A Comment

Your email is safe with us.

ثلاثة × 4 =